محمد بن علي الشوكاني
309
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
عبد الله ( 1 ) القرشي : استغاثة المخلوق ( 2 ) بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون . وأما الاستعانة بالنون فهي طلب العون ، ولا خلاف أنه يجوز أن يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه من أمور الدنيا ، كأن يستعين به على أن يحمل معه متاعه ، أو يعلف دابته ، أو يبلغ رسالته ، وأما ما لا يقدر عليه إلا الله - جل جلاله - فلا يستعان فيه إلا به . ومنه : } إياك نعبد وإياك نستعين { ( 3 )
--> ( 1 ) هو عبد الله بن محمد القرشي التونسي ، صوفي كبير الشأن عند المتصوفة ، ولد بالإسكندرية سنة 637 ه ومات بتونس سنة 699 ه - . " الطبقات الكبرى " : ( 1 / 159 ) " طبقات الأولياء " : ( ص 488 ) . ( 2 ) ذكره ابن تيمية في " الفتاوى " ( 1 / 112 و 330 ) . ( 3 ) [ الفاتحة : 4 ] . فائدة : النسبة بين الاستغاثة والدعاء : من المعلوم أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب ، كما قال تعالى } فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه { [ القصص : 15 ] والدعاء أعم من الاستغاثة ؛ لأنه يكون من المكروب ومن غيره " تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد " للشيخ سليمان بن عبد الله ( ص 214 ) . فالاستغاثة دعاء لكنه دعاء خاص فلو لم تكن دعاء لكانت مقابلتها بالإجابة غير وجيه ، وقد قال تعالى : } إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم { [ الأنفال : 9 ] . ولتوضيح النسبة بين الاستغاثة والدعاء لا بد من بيان أن الدعاء في القرآن والسنة نوعان : الأول : دعاء عبادة ، وهذا النوع ورد كثيرا في القرآن كقوله تعالى : } فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين { [ الشعراء : 213 ] . النوع الثاني : دعاء المسألة ، وهو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر ، ومن أدلته قوله تعالى : } قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ { [ الأنعام : 40 - 41 ] . فائدة : أنواع الاستغاثة : الأول : طلب إزالة الشدة من المخلوق في الأسباب الظاهرة والأمور الحسية العادية ، على أن يكون المستغاث به حيا حاضرا ، كالاستنصار بالحاضر القوي على قتال ، أو دفع عدو صائل ، أو سبع مفترس ، ونحو ذلك من كل ما يقدر المخلوق على الغوث فيه ، وهذا النوع لا خلاف في جوازه . والأصل في جوازه قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام : } فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه { [ القصص : 15 ] . وقوله تعالى : } وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر { [ الأنفال : 72 ] . وقوله تعالى : } وتعاونوا على البر والتقوى { [ المائدة : 2 ] . مع ملاحظة أنه لا بد من توفر شرطين وهما : 1 - ) شرط في المستغاث لأجله ، بأن يكون مما يقدر المخلوق على الإغاثة في مثله . 2 - ) وشرط في المستغاث به ، بأن يكون حيا حاضرا فلو تخلف شرط منهما خرجت الاستغاثة عن حيز الجواز إلى حيز الشرك أو الابتداع . الثاني : طلب الغوث فيما لا يقدر عليه إلا الله ، كإنزال المطر ، هداية القلوب وغفران الذنوب . أو كان فيما يقدر عليه المخلوق عادة لكن المستغاث به إما ميت راقد في قبره ، وإما حي لكنه غائب مع اعتقاده أن الاستغاثة تبلغه أينما كان . وهذا النوع لا شك في عدم جوازه فمن اعتقد أن مقدسه المخلوق يقدر عن محو ذنوبه أو هداية قلبه أو على إنزال المطر أو تيسير رزقه بمجرد المشيئة ، أو اعتقد أن ذلك المقدس يسمع استغاثاته وهو راقد في قبره ، أو غائب عنه فهو مشرك بعقيدته هذه قبل أن يتوجه إلى المقدس بالاستغاثة . وعلى هذا نص جميع العلماء المحققين فقال ابن تيمية : " ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضا - كافر إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها " . الفتاوى ( 1 / 112 ، 332 ) . وقال ابن تيمية في " اقتضاء الصراط " ( 2 / 683 ) : وهذه البدعة الكفرية إنما حدثت في العصور المتأخرة لما شاعت الخرافات وانتشر الجهل وعمت الأقاليم الإسلامية مغالطات المتصوفة وأباطيلهم ، وإلا فلم يكن من حال السلف أن يستغيثوا بغير الله أبدا " .